السيد كمال الحيدري
67
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
إذا اتّضح ذلك جيداً فإنّه ينبغي لنا الوقوف على المراد من الموضوعية والتجزيئية في العملية التفسيرية ، فكثيراً ما نقرأ في المصادر التفسيرية والبحوث القرآنية أنَّ هنالك تفسيراً موضوعياً وآخر تجزيئياً ، فما هو المراد من هذه المصطلحات التفسيرية ؟ وما علاقتهما بالمناهج المتّبعة في العملية التفسيرية ؟ إنّ الوظيفة الأساسية للتفسير التجزيئي تكمن في إبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية دون إعطاء الموقف القرآني العامّ الذي يتشكّل عادةً من مجموعة مداليل تفصيلية ، بخلاف ما عليه التفسير الموضوعي فإنّه لا يكتفي بإبراز المضامين الجزئية للمفردات القرآنية وإنّما يتجاوز ذلك إلى ما هو أهمّ وأجدى ، حيث يقوم بتحديد الموقف القرآني تجاه موضوع من موضوعاته المختلفة « 1 » . ومن الواضح أنّ الموضوعية في المقام لا يراد بها الموضوعية الواقعة في قبال التحيّز والتعصّب والتطرّف ، فإنّ التفسير التجزيئي هو الآخر ينبغي توفّر هذه الموضوعية فيه وإلّا خرجت العملية التفسيرية من دائرة المنهجة إلى دائرة الاتّجاهات ، كما هو واضح . إذن فما هو المراد من الموضوعية في المقام ؟ إنّ الموضوعية المرادة في المقام تتقّوم بأمرين ، هما : 1 . أن يُفرز المفسّر الموضوعي مجموعة آيات قرآنية تشترك في موضوع واحد وإن جاءت بألفاظ مختلفة ؛ فيقوم المفسّر الموضوعي بعملية صياغة جديدة مفادها التوحيد بين مداليل هذه الآيات المتوحدّة موضوعاً ، المختلفة عادةً في طريقة العرض « 2 » ، لينتهي بعد هذه العملية الإفرازية التوحيدية إلى ثمرة البحث التفسيري الموضوعي وهي : تحديد الموقف القرآني تجاه ذلك الموضوع .
--> ( 1 ) انظر : المدرسة القرآنية : ص 34 - 35 . ( 2 ) فالآيات المكرّرة في السور المختلفة لا جدوى كبيرة في جمعها فضلًا عن البحث في الوحدة الدلالية بينها بما هي هي . .